حسن الأمين
289
مستدركات أعيان الشيعة
أن المرتضى أطل يوما من روشنه ، فرأى « ابن المطرز » الشاعر وقد انقطعت شراك نعله وهو يصلحه فقال : قدت ركائبك : أشار إلى قصيدته التي أولها : سرى مغرما بالعيس ينتجع الركبا يسائل عن بدر الدجى الشرق والغربا على عذابات الجزع من ماء « تغلب » غزال يرى ماء القلوب له شربا إذا لم تبلغني إليكم ركائبي فلا وردت ماء ولا رعت العشبا فقال له « ابن المطرز » مسرعا : أتراها ما تشبه مجلسك وشربك وخلعك ؟ يريد بذلك أبيات المرتضى : يا خليلي من ذؤابة قيس في التصابي مكارم الأخلاق غنياني بذكرهم تطرباني واسقياني دمعي بكأس دهاق وخذا النوم من جفوني فاني قد خلعت الكرى على العشاق « 1 » حكى « أبو الحسن العمري » ( 1 ) قال : دخلت على الشريف « [ و ] المرتضى » ، فأراني بيتين قد عملهما وهما : سرى طيف « سعدى » طارقا فاستفزني هبوبا وصحبي بالفلاة هجود فقلت لنفسي عاودي النوم واهجعي لعل خيالا طارقا سيعود فخرجت من عنده ، ودخلت على أخيه « الرضي » ، فعرضت عليه البيتين فقال بديها : فردت جوابا والدموع بوادر وقد آن للشمل المشت ورود فهيهات من لقيا حبيب تعرضت لنا دون لقياه مهامه بيد فعدت إلى المرتضى بالخبر فقال : يعز علي ، أخي قتله الذكاء ، فما كان إلا يسير حتى مضى « الرضي » لسبيله . ( 2 ) ومن الغفلات غير المقصودة أن ظن بعض الناس ، أن القصيدة « التترية » المشهورة ، توجه بها شاعرها « أحمد بن منير الطرابلسي » إلى الشريف المرتضى « علم الهدى » في حين أن الشاعر « ابن منير » ولد بعد وفاة المرتضى بنحو سبعة وثلاثين عاما . والواقع أنها مرسلة إلى شريف موسوي آخر كان يلقب بالمرتضى ، ولكنه يسكن بلاد الشام لا بغداد كما يظهر من فحوى القصيدة . ( 3 ) ومما استحسن الناقدون من شعره فيما أورده ابن خلكان : ( 4 ) بيني وبين عواذلي في الحب أطراف الرماح أنا خارجي في الهوى لا حكم إلا للملاح وقوله : مولاي يا بدر كل داجية خذ بيدي قد وقعت في اللجج حسنك ما تنقضي عجائبه كالبحر حدث عنه بلا حرج بحق من خط عارضيك ومن سلط سلطانها على المهج مد يديك الكريمتين معي ثم ادع لي من هواك بالفرج « 6 » وقوله : قل لمن خده من اللحظ دامي رق لي من جوانح فيك تدمى يا سقيم الجفون من غير سقم لا تلمني إن مت فيهن سقما أنا خاطرت في هواك بقلب ركب البحر فيك إما وإما ومما عده صاحب « أنوار الربيع » ( 5 ) مطربا مرقصا قوله : أحب ثرى نجد ونجد بعيدة ألا حبذا نجد وإن لم تفد قربا يقولون نجد لست من شعب أهلها وقد صدقوا لكنني منهم حبا كاني وقد فارقت نجدا شقاوة فتى ضل عنه قلبه ينشد القلبا « 8 » وقوله : ضن عني بالنزر إذ أنا يقظان وأعطى كثيره في المنام والتقينا كما اشتهينا ولا عيب سوى أن ذاك في الأحلام وإذا كانت الملاقاة ليلا فالليالي خير من الأيام وقوله : ولما تفرقنا كما شاءت النوى تبين ود خالص وتودد كاني وقد سار الخليط عشية أخو جنة مما أقوم وأقعد وقوله : قل للذين على مواعدهم لنا خلف ومطل كم ضامني من لا أضيم وملني من لا أمل يا عاذلا لملامه كل على سمعي وثقل إن كنت تأمر بالسلو فقل لقلبي كيف يسلو ؟ قلبي رهين في الهوى إن كان قلبك منه يخلو ولقد علمت على الهوى أن الهوى سقم وذل وتعجبت « جمل » لشيب مفارقي وتشيب « جمل » ورأت بياضا في سواد ما رأته هناك قبل « 9 » كذبالة رفعت على الهضبات للسارين صلوا « 10 » منزلته الاجتماعية كان المجتمع الأرستقراطي البغدادي في القرن الرابع ينقسم إلى طبقات : طبقة تعتز بشرفها ونسبها ودمها ، كالعلويين والعباسيين والبويهيين والمهلبين ، فطبقة تعتز بمناصبها في الدولة كالوزراء والقادة ورؤساء الدواوين ، فطبقة تعتز بعلمها ودينها وأدبها كرجال المذاهب من فقهاء ومتكلمين ، وكرجال الأدب من ناثرين وشاعرين .
--> ( 1 ) لعله يريد الشريف أبا الحسن علي بن محمد بن علي العلوي العمري النسابة المعروف بابن الصوفي صاحب كتاب « المجدي في أنساب الطالبيين » وهو معاصر للمرتضى وملتق به . انظر « رياض العلماء » ص 446 ، 475 . ( 2 ) أنوار الربيع ص 484 ط طهران . ( 3 ) انظر القصيدة « التترية » وترجمة ابن منير في أعيان الشيعة . ( 4 ) ابن خلكان ج 3 ص 4 ، 5 ط مكتبة النهضة نقلا عن كتاب « جنان الجنان » و « رياض الأذهان » . ( 5 ) أنوار الربيع ص 481 - 484 .